عن العلاقة بين الشيخ أحمدو بمب والشيخ سيدي باب

ثلاثاء, 11/08/2026 - 18:19

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين

 محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين،

وبعد فإني طالعت مقالا شيقا أتحفنا به أحد جهابذة المدونين الموقع باسم مستعار، تناول فيه بإسهاب ممتع حياة الولي الجليل الشيخ أحمد بنب ، وعرض فيه بعض العلاقات المتميزة التي تربطه بجماعة من أجلاء الموريتانيين.

وفي هذا النطاق ألمع بعجالة خاطفة لما ذكر من إرسال الشيخ سيدي باب  "مستشاره شيخنا ولد داداه يطلبه" تحت ضمانه ومسيره معه إلى الربوع الموريتانية.

وبما أن هذا النزر مخل بحقيقة الأواصر التي تجمع بين هذين الطودين، أردت أن أبين بعض جوانبها التي لا يعذر في عدم الاطلاع عليها أو تجاوزها كاتب لامع مثل هذا المدون القدير الذي يعتبر بحق ذاكرة "المنتبذ القصي"، أو غيره ممن ينحو نحوه . واستغربت نشره بعد يومين أو ثلاثة نص رسالة الشيخ أحمد بنب يوم قدمه الأول أبا تلميت قاصدا الشيخ سيديه باب ورسالة هذا الأخير للفرنسيين لما قاموا بتغريب الشيخ الخديم، مما يعتبر قرينة على وجود وثائق معتبرة لديه حول الموضوع، لم ير من المناسب التطرق لها. ومع ذلك فإني أعتقد جازما بحسن نيته في الموضوع.

ولم يحملني على هذا التبيين الذي أقدمه لجمهور القراء الكرام إلا  خدمة الحق والوفاء للتاريخ، لا ـــــــــــ معاذ الله ـــــــــــــ الرد على أحد أو الدخول في مساجلات مع أي كان. فعلى من يتقصد ذلك أن يساجل الشيخ الخديم نفسه أو يبرهن على أن الخطوط المنشورة لا تصح نسبتها إليه، أو يأتي بنقول صادرة عنه تدحضها.  

والواقع أن بعض أبناء الخديم نفسه ينسحب عليهم فيما يبدو عدم الإحاطة التامة بكنه هذه العلاقة التي سطر والدهم أهم فصولها بخط أنامله المباركة، وربما شاركهم بعض آل الشيخ سيديه ذلك، لأن هذه العلاقة كان أغلبها في الله لا في الدنيا، والشواهد المكتوبة الموجودة عليها متوارية عن الأنظار لأن محرريْها ومستقبليْها لم يكونا  لينشهراها أو يبغيا من خلالها جزاء دنيويا ولا شكورا. من هنا أحسست بالمسؤولية عن الإفصاح عما بحوزتي منها وفاء لذكراهما، طيب الله ثراهما.

كنت يوما أتصفح النسخة القديمة غير المحققة  من "منن الباقي القديم في سيرة الشيخ الخديم" لمحمد البشير امبكي بن الشيخ أحمد بمب حول حياة والده فاستوقفني "توقيف" والدي الشيخ هارون بن الشيخ سيديه باب في الهامش على تصريح المؤلف بأن أباه لم يتتلمذ على الشيخ سيديه باب ولا على أحد من البياضين ، أو كما قال (فالكتاب ليس متاحا لي في المكان الذي أكتب منه) .  ونص ما كتب الوالد رحمة الله تعلى عليه كالتالي: "قف على تصريح المؤلف الذي تناقضه رسائل المترجم الموجودة بحوزتنا".  

أثارت هذه الملاحظة لدي الرغبة في البحث عن الرسائل المشار إليها فجمعت منها ما يربو على الستين بين رسالة وقصيدة أو قطعة شعرية، مبعثرة بين دفات كتب خزانتنا. ومن المحتمل جدا أن تكون المراسلات والوثائق المتبادلة أكثر من هذا العدد.

ثم إني  صورت هذا الكم الذي وقفت عليه وسلمت حفيد الشيخ الخديم المسمى محمد امباكي اسرين سوخن لو نسخة منه وأعطيت نسخا أخرى لبعض أفراد العائلة الكريمة إبان زيارات قاموا بها لموريتانيا، ولأسرتنا على وجه الخصوص.

فهذه النصوص الثمينة والمستندات النفيسة هي القول الفصل فيما يربط الشيخ أحمد بمب بجدنا الشيخ سيديه باب.

وفي الحقيقة فإن محمد بن حبيب الله ، والد الشيخ أحمد نفسه، كان قد أخذ الورد القادري عن سيد الدار، مريد الشيخ سيدي الكبير، كما أخذ الشيخ أحمد ذات الورد عن محمد صار، تلميذ الشيخ سيدي الكبير ، بعد أن أخذه عن أبيه وقبل أن ياخذه عن الشيخ سيديه باب عام بمراره، أي سنة 1309.  وكانت هذه اللقيا باكورة الاتصال المباشر بين الشيخين. وخلال المدة التي أقامها الخديم مع الشيخ سيديه باب عند الميمون القبلي كان يذهب راجلا بشكل مستمر تقريبا إلى مقبرة تندوجه لزيارة ضريحي الشيخ سيديه الكبير وابنه الشيخ سيدي محمد رحمهما الله تعلى، ثم يعود في المساء.

 في ذلك الوقت، كان شابا لم يشتهر بعد.

ومن المعروف أن الشيخ أحمد بنب سافر مرتين أو ثلاثا على ألأقدام للقاء الشيخ سيديه باب في أبي تلميت.

أولى هذه الرحلات، كما أرخها هذا الزائر الجليل، كانت "يوم الأربعاء لاثنين وعشرين من رمضان عام تسع وثلاثمائة وألف"، حيث كتب في ذلك:

"بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله تعلى على سيدنا محمد وسلم تسليما الحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده أما بعد فليعلم السيد الكبير بأن في داره بوتلميت العبيد الحقير متمثلا ب :

سلام عليكم كيف حالكم بعدي    /     وهل عندكم من وحشة البين ما عندي

فها هو واقف بالباب زائر  منتظر ما أنت به ءامر  وويسلم ثم يقول و من الله ثم منكم يرجو القبول

يا سادتي يا ذوي الإحياء للديـــــــــــــــــــــــــن         /    جبت المهامه من أقصى السوادين

أزوركم لاشتداد الشوق مرتجيـــــــــــــــا         /     أن الإله بلقياكم سيهدينـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي

ما زلت مذ زمن أبغي لقاءكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم       /       لكي أخلص من سرب المجانيــــــــــــــــــــــــــــن

قد رمت في كل عام أن أصافحكــــــم      /     بالجسم كالروح والشيطان يردينـــــــــــــي

فالعام قد جاد لي المولى بزوركــــــــــــــــــــــــــم     /    فالحمد لله إذ ولت شياطينــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي

والسلام عليكم كلكم".

فبعث إليه الشيخ سيديه باب من أتاه به عند موضع يسمى تنيديات، يقع على بعد خمسين كيلومترا تقريبا شمالي أبي تلميت، فمكث معه ستة أشهر حسب الروايات المتداولة.

ولما علم الشيخ سيدي باب بموقف الشيخ أحمد بنب بعد ذهابه من عدم قبوله لاستدعاء المستعمرين إياه وخشي عليه مغبة ذلك، كتب له الرسالة التالية.

"من سيدي بن محمد بن سيدي إلى أحمد بنب بن حبيب الله حفظه الله وحمد مسعانا ومسعاه سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فلا بد لا بد من تعجيل القدوم على أمير اندر وامتثال ما يامر به والاعتذار إليه عما قيل وما ظن بأبسط كلام وأوضحه والله  تعلى يوفقكم ويحفظكم ولولا ما خفناه من عواقب مخالفة ذلكم لما أكثرنا عليكم في هذا المعنى خشية التثقيل واعلموا أن الأمور الغيبية والإشارات والإلهامات ونحوها ربما تكون على التأويل وربما قبلت الغلط على أنها إن سلمت من ذلكم ومن تلبيسات الشياطين فالأدب مراعاة ظاهر الشريعة المطهرة والدوران مع مقتضيات الأحوال حيثما دارت وقد تعرض الشيطان للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وفي الإسراء فأعانه الله تعلى وعصمه وحفظه وقصة سورة النجم مشهورة والسلام عليكم ورحمت الله تعلى وبركاته".

وبعد اعتقال المستعمرين للشيخ أحمد بنب أواخر صفر عام 1313 بعث أهله للشيخ سيديه باب رسالة بخط خاله العالم محمد بن محمد البوصوي ليخبروه بالأمر، فكتب أول مراسلة بينه مع الفرنسيين جاء فيها:

"بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله سيدي بن سيد محمد بن سيدي إلى أمير اندر سلام أما بعد فإن المسكين محمد بنب ليس من شيوخ السودان الحمقاء الذين إذا شبعوا طغوا وأفسدوا في الأرض ووثبوا على ما لا طاقة لهم به من الأمور وإنما هو سالك سبيلنا لا نريد إلا العافية والمسالمة منكم ومن غيركم وإن أردنا غير ذلك فإن أكثر من ينتسب للإسلام أولى عندنا بالمحاربة منكم لكثرة ظلمهم وفسادهم في الأرض أما أنتم فأهل عدل وإصلاح للأرض وإني أريد منك أن ترده إلى صبيته وعياله وأضمن لك أنه لا يضركم أبدا مع أنه والله ما يريد ذلك فيما علمت وقد لقيته وكلمته ولا يكتم عني ثم إن رددته فإن شئت بعد ذلك فأسكنه في اندر هو وعياله وأجرهم مجرى سائر من فيها من السوادين فيما تاخذون عليهم من الفضة وإن شئت فاردده إلى موضعه الذي كان فيه وخذ عليه وعلى من معه ما تأخذ على سائر السوادين وازجر عنه من أردت أن لا ياتيه من تلاميذه السودانيين ولا تترك معه إلا اليسير الذي لا بد لمعاشه منه وإن شئت فوجهه إلى أرض البيضان يسكن بها ووجه معه أولاده وأمهاتهم ولا تترك معه من تلاميذه إلا ما أحببت هذه حاجة أريدها منك ووالله ما عليكم ولا على غيركم من هذا المسكين ضرر ولكن قد ياتيكم عنه بعض من يحسده بالكذب ولكن انظروا بعقولكم فإنكم أهل عقل يظهر لكم ما قلت لكم والسلام".

وصلت هذه الرسالة إدارة الشؤون السياسية للمستعمرة في 25 يناير 1896 فرد عليها الوالي بعد يومين برسالة طويلة عدد فيها المزاعم التي جعلتهم ينفون الشيخ إلى الغابون، مختتما إياها بقوله: وبما أن هذه أول مرة نكون فيها على اتصال، فإني راغب في أن تحتفظ بذكراها وأبعث لك سلهاما كهدية شخصية.

مكث الخديم في منفاه الغابوني ثمان سنوات وأشهرا ولياليَ، كان الشيخ سيديه باب يراجع الفرنسيين خلالها كلما سنحت له فرصة طالبا منهم إعادته إلى وطنه. بعد استجابتهم لهذا الطلب فرضوا عليه الإقامة الجبرية في حي الشيخ سيديه باب وبضمان منه لأ نهم ظلوا يتوجسون خيفة من إمكانية تأليبه عليهم أتباعه وجيرانه. فأرسل الشيخ سيدى بابه ثلاثة من أفاضل المقربين منه إليه ليأتوا به محاطا بالتكريم والعناية، ومستقبلا بالتبجيل والحفاوة. وهم: شيخنا ولد داداه ومحمد سيديا ولد محمد المصطفى الأجهسىّ والشيخ ولد محمد أحمدالغلاوي، تغمدهم الله تعلى برحمته الواسعة.

كان الشيخ سيديه باب يطلب من الفرنسيين   طيلة السنوات الأربع ونيف التي قضاها معه أن يرفعوا عنه الإقامة الجبرية ويرجعوه إلى موطنه السينغالي، فقبلوا ذلك بعد لأي.

تزخر المراسلات والمساجلات الشعرية بين الشيخين بالكثير من عبارات التقدير والاحترام المتبادل. فعلى سبيل المثال نري الخديم يقول:

وسيلتي بشيخنا الكبيــــــــــــــــــــر    /     وءاله ذوي الهدى والنــــــــــــــــــــــــــــــــــور

بشيخنا سيدي ذي الأنوار     /     طهر قلوبنا من الأغيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار

وبابنه الخليفة النجيــــــــــــــــــــــب       /   محمدن اغفرن لي ذنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوبي

وهب لنا استقامة سليمــــــــه       /      بأمه محجوبة الكريـــــــــــــــــــــــــــــمه

وبابنه غوث الزمان بابــــــــــــــــــــا        /       لنا افتحن من كل خير بابا

وبأخيه الفائق العين المعين     /       عنا اطردن كل شيطان لعين ....

وهب لنا رب رضاء شيخــــــــا       /    وحبه والزور قبل موتنــــــــــــــــــــــــــــا   ، إلخ

وقوله: وبأخيه الفائق العين المعين" يعنى شقيقه الشيخ سيدى المختار الملقب عينى ابن الشيخ سيدىَ ، العالم الشهير والعلم الكبير، الجواد المنفق الكريم.

فقد كانت للشيخ أحمد بنب به صلة قوية جدا، وبأبنائه الكبار، وسبطيْه محمد وأحمد ابنى عبد الفتاح.

إلى غيرها من الأشعار والرسائل التي ستجدون صورا من بعضها في آخر هذا المقال.

من ذلك:

"فليكن في كريم علومكم النافعة أن مكتوبكم الذي إلينا بعثهم به وافق عملي بمضمونه جميعا حرفا بحرف وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب فلله الحمد والشكر والمنة على هذا التوفيق العجيب ... فجزاكم الله تعلى خيرا على مكتوبكم الذي وجهتم وعاملكم في الدنيا والاخرة بمقتضى ما وجهتم لنا من الزجر بجاه من صارت كليتي خدمة له عليه بئاله وصحبه الصلاة والسلام".

وفي أخرى بعد قطعة شعرية مطلعها:

يا سيدي يا رئيسا صار مأوانا      /   جزيت عني في الدارين رضوانــــــــــــــــــــا

حمدا وشكرا لرب قاد نحوكم    /    زمام قلبي لحب فيه أزمانـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

ولست أذكركم إلا وأمدحكـــــــــــــم     /   ولست أنساكم سرا وإعلانـــــــــــــــا

أنتم مرامي في دنياي ثم غــــــــــــــــــــــــــــــدا     /   بعد الرسول وبعد الله مولانا ...

يا شيخنا يا ولي الله يا قمـــــــــــــــــــرا      /    يا من يولي جميع الخلق إحسانـــا

أبقاك ربك دهرا محسنا وزرا        /    باب الهداية للضليل أحيانـــــــــــــــــــــا .....

هذا وإن ما أمرتمونا به وأذنتم لنا فيه فكما قال : فلو أرسلت يوما بثينة، البتين. ونطلب منكم أيضا أيها الكرماء كتابا كريما ثانيا كالأول بخط أناملكم المباركة يتضمن إذنكم لنا في استعمال الورد وفي إعطائه إن رأيتمونا أهلا لهما وقد كنا نستعمل ونعطي بإذن بعض المريدين ولاكن ذلك ما أوجبه إلا عدم الوصول إليكم فاليوم وصلنا إليكم فلا نبالي بعد الله تعلى  ورسوله بسواكم كما لم نزل عليه منذ أغرانا الله بكم. ومعنا أسئلة ولا نسأل عنها سواكم لاكتفائنا بكم والتعلق والتشبث بأذيالكم.... وأريد أيضا أن تبينوا لنا كيفية أدائكم الصلوات وفي أي وقت تصلون فيه هل في أوله أو بعيده أو في وسطه أو بعيده لأني لا أحب أن أخالفكم في شيء ولو علمت السور التي تقرأونها فيها لا أقرأ سواهن فيها" ...

وفي أخرى:

بسم الله الرحمن الرحيم ممن لم يَنس  ولم يُنس إلى من لم ينس ولم ينس  وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أزكى سلام بالمزايا يرفـــــــــــــــــــــــــع      /   وتحية كل الرزايا تدفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

مني إلى خل وفي صــــــــــــــــــــــــــــادق       /  فيه المنافع والمكارم تجمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

يا من يراعي العهد حبا بعدما    /  خانت جموع خزيهم يتوقــــــــــــــــــــــــــــع

أهلا وسهلا مرحبا دون انتها    /     لا زال صدرك ظرف علم ينفع

لا زلت نفعا للذي يبغي الهدى   /  لا زالت الأسواء عنكم تدفـــــــــــــــــع

وعلى نفس النهج :

"السلام عليكم ورحمة الله تعلى وبركاته  هذا مصحف أمسكوه واجعلوا في يدي مصحفا ألازمه كان بأيديكم يكون توكيدا للعهد الذي لا ينتقض أبدا والسلام عليكم كلكم ورحمة الله وبركاته".

 خبر هذا المصحف ورد في عدة رسائل أخرى تتضمن الاعتذار عن تأخير رده " لأمرين أحدهما وهو الآكد التبرك والثاني التجويد به مدة ما ... وليكن في كريم علمكم بأنا  لم نستغن عما يتبرك به من متاعكم أنتم ومتاع الوالد والجد رضوان الله تعلى عنكم أجمعين وما منعنا من طلبه منكم إلا الاكتفاء بمحبتكم وشوقكم"...

ترد مثل هذه العبارات الطافحة بالاحترام والتقدير والامتنان تقريبا في كل نصوص الخديم الموجهة للشيخ سيديه باب وتبين عن تعلق روحي عميق به وبذويه. نراه مثلا يخاطبه قائلا :

ياسيدي إن حاجاتي وءامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالي    /     أن يصلح الله أحوالي وأعمالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي

فانظر  لوجه الذي أولاك نعمته    /   إلى مريد ضعيف السعي والحــــــــــــــــــــــــــــــــــال

حتى يصير قويا راسخــــــــــــــــــــــــــــــــــا وزرا     /    موفقا صادقا في طاعة الـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوالي

فرقه بالذي يحوى الكمال بــــــــــــــــــه    /     من  نظرة ذات تطهير وإيصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــال

حتى يلازم ءادابا ومعرفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة       /   مع المزايا بإدبار وإقبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال

وزودنه التقي قبل الرجوع إلـــــــــى      /   سكنى وأهل وأعمام وأخـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوال

يا سيدي أنت باب الله للحنفا       /    فاضرع إلى الله في إصلاح أحـــــــــــــــــــــــــــــوالي

من ذلك أيضا:

قالوا سفيه لصرفي عنهم بصري    /     ورغبتي عن ذوى العصيان في البشر

قالوا سفيه لتفويضي إلى ملكي    /    أمري من الكون في صفوي وفي كدري

قالوا سفيه لحبي خالقي ملكــــــــي      /    ولم أكن للبرايا أشتكي ضــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرري

قالوا سفيه لكوني لم أخف أحدا   /    وما رجوت سوى الرحمن ذي القـــــــدر

قالوا سفيه لقفوي نهج ملجإنــــــــــــــــــــــــــا   /    الشيخ سيدي فحل الخير في الخبر

فقلت خلوا سبيلي واتركوا عذلــــــــــــــــي    /    ما لي سوى طاعة الرحمن من وطر

ما لي سوى الله إذ  ما اللحد غيبني   /      وجاءني الملكان الدهر مــــــــــــــــــــــــــــــن وزر

ما لي غدا حين عزرائيل يقبضنـــــــــي     /    روحي نصير سوى مولاي في العصر

ما لي غدا يوم حشر الخلق كلهــــــــــــــــــــم    /     رب لطيف سوى مولاي في العصر

ما لي إذا الضر أضناني وأمننـــــــــــــــــــــــــــــــــــي    /    غوث رحيم سوى مولاي يا زمـــــــــــــــــــري

إن سفهوني في ورد أخذت بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه     /   للشيخ سيدي شيخ البدو والحضر

فلا أكون رشيدا مثل رشدهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم     /   فسوف يمتاز يوما أعظم السيـــــــــــــــر

الحمد لله إذ كانت سفاهتنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا      /   إدامة الورد والأذكار والفكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

وعلى نفس الوتيرة:

يا شيخ أعطاك تقديما وولاكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا     /    في الجهر تجديد دين الله مولاكــــــــــــــــــــــا

فجئت توقظ ذا نوم وترفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع  ذا       /    خفض وتتحف ذا حاج بجدواكــــــــــــــــــــا

إن الذي حزت لا يخفى على أحــــــــــــــــــــــــــــــد     /     إلا على أحد لم يحو إدراكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

لا زلت مرشد ذي غي مكمــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ذي      /     رشد مؤمن ذي خوف ببشراكـــــــــــــــــــــــــــــــا

أنت المربي بما ربى الأمين بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه      /       حرفا بحرف فما في الجيل شرواكــــــــا

يا شيخ بورك فيما قد خصصت بــــه        /      وفي جميع الذي يوليك مولاكـــــــــــــــــــــــــــــــــا

وكذلك:

للثم تراب الشيخ سيدي بابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا        /      عنيت القطب والغوث المجابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

ولثم تراب روض الجد حبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا         /      وروض أبيه ذي الكرم احتسابـــــــــــــــــــــا

أحب إلي مما النفس تهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوى        /    وتامله وما المرء استطابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

أعاذل في اشتياقي الحي عــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذرا       /      ودع عني الملامة والعتابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

فما حبي لطيب تـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراب أرض         /      ولكن حب من سكن الترابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

وفي نسخة: ولكن حبُّ من وطِئ الترابا

من هذه النصوص الآسرة الجلية في دلالتها:

خطابك كالأفعال والخلق طيــــــــــــــــــــــــــب        /     وباب الهدي دون الأذى العلمُ يفتـــح

لقد فزت بالعلم الصحيح الذي به         /      إله الورى باب المزايا يُفَتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح

لك انقاد فضل دون كسب بلا انتها          /     فقافي الذي تاتي به الدهر يربــــــــــــــــــــح

لمن زاركم ما رام من عند ربكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم          /      لكم راض كلبا قد لقيتم وينبـــــــــــــــــــح

لقد طيب الرحمن ما جاءكم معــــــــــــــا         /     تُرَوي وتُسدي كل دهر وتذبـــــــــــــــــــــــــــــــــــح

لم يكن انتقاء هذه النصوص دون غيرها سهلا لغزارة ودلالة كل منها، لكن المقام لا يتسع لنشرها بالكامل، فوجدت العشوائية فرصتها في اقتناص بعضها وترك البعض دون مسوغ موضوعي.

ومن الطبيعي أن يرد الشيخ سيديه باب على أغلب المقاطع الشعرية الموجهة إليه من طرف هذا الشيخ الموقر ومن أهل بيته الكرام.  وقد بلغت القطع والقصائد الجوابية بضعَة عشر نصا شعريا من ديوانه المطبوع، يمكن الرجوع إليها فيه لمن أراد ذلك.

ولعلى أختم هذه المقالة التى طالت ذيولها برسالتين نثريتين متبادلتين لدلالتهما البالغة على الصلة الروحية العميقة بين الشيخين.

"بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فإني ليلة أمس أصابني صادم وعظكم ورءاني وبت وظللت مع صاحبي يخال أنه رءاني وما رءاني . فلما انكشف عني بعض ذلك سرت إلى خلاء وجعلت أعرض نفسي في نفسي على حاكمَي الشرع والحق. فلما كان بعد مدة من علي الواحد الحق بأن حكم الشرعي بأني من المسلمين الفسقة والحقي بأني لم أضع قدما في طريق المتصوفة. فأراحني علم حقيقة أمري وأزاحني  عدم انشراح صدري، مع أن نفسي مع علمها حقيقة الحكم لم تسلم، وهذه حقيقة هذا المدعي المتعلم".

فأجابه الشيخ سيديه باب بقوله:

"إصابة الصادم الوعظي في القلب والرئة تثمر خلوص النية وصفاء الطوية والإقبال بالكلية على عالِم السر والعلانية مدة الحياة الدنيوية. ثم إن حم الحكمين غير متناقصين، إذ يكون مومنا مسلما من لم يضع في طريق القوم قدما. وتسليم ما يقتضي عدم تسليمه دعوى الكمال النفسي أفضل، والقناعة بعلمه تعلى بالحال المعنوي والحسي أكمل وأجمل. والله تعلى يطوي لنا ولكم مسافة السلوك في سيرنا إلى ملك الملوك. والسلام".

ومن المعلوم أن إقامة الشيخ أحمد بنب برهة في الصرصاره التي أصبحت اليوم مزارا لأتباع الطريقة المريدية كانت في رحاب حضرة الشيخ سيديه باب الذي كان ينتجعها قبل عودة مخيمه إلى أبي تلميت بعد مكثه ثلاث سنوات وستة أشهر في المنطقة الجنوبية الغربية، وأنه خلال تلك الفترة أدخل مريده الشيخ أحمد بنب الخلوة المعروفة ، فكان ما كان مما نوه به الخديم في أكثر من موضع.

وقد أشاد الشيخ الخديم بحضرة الشيخ سيدي، وبحسن المعاملة التى لقى فيها، وبالزاد العلمى والروحى الذى تزوده منها، وعبر عن التعلق الشديد بها كما فى أبياته الرائقة المتقدمة قريبا، إذ قال:

للَثْمُ تراب دار الشيخ بابــــــــــــــــــــا        /    عنَيت الغوث والقطب المجابــــــــــــــــا

ولثمُ ترابِ روض الجد قدما   /     وروضِ أبيه ذى الكرم احتسابـــــــــــــــــا

أحبُّ إلىَّ مما النفسُ تهــــــــــــــــوَى    /    وتامُلُه وما المرء استطابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ...

فهل على هذه المواقف النبيلة  والمعاني السامية من مزيد؟ وهل يحسن تجاوزُها واختزالها والقفزُ على كل محطاتها، وتصنيفها - حسب ظاهر المقال المنشور - بالعلاقة العرضية أو الجزئية، وتقديمُ غيرها عليها مما لا يرقى إلى معشار عشرها فى الأهمية والعمق؟

ولله در العلامة اباه ولد عبد الله ولد اباه الذى بلغني أنه قال بكل تجرد وأمانة حين سئل ذات يوم عن الشيخ أحمد بنبه وعلاقته بأهل هذه البلاد: "بوّابة جواب هذا السؤال هى أبو تلميت".

وكثيرا ما يؤثَرُ عنه مثل هذا الجواب الدال على النزاهة الفكرية والأمانة التاريخية.

 وهل كذلك من دلالة أكبر على كم الهدايا السنية المتواصلة الواصلة لحضرة أبي تلميت من طوبا في زمن الشيخ الخديم؟  فقد كان من عادته أن يرسل صندوقين مملوءين ورِقا كل عام وهدايا أخرى نفيسة للشيخ سيديه باب وأخيه الشيخ سيد المختار الملقب اباه وذريتهما وخاصتهما وحاشيتهما، فضلا عما يرسله أثناء السنة من مختلف أنواع الهدايا والتحف. وحدثني الرجل الشهم الضابط الراوية العدل الثبت أحمد بن عبد الفتاح، صديق الشيخ الخديم، أن هذا الأخير كان إذا نزل عنده بعض قراباتنا يامر  مناديا ينبئ زواره بأنه عليهم أن ينتظروا بقضاء حوائجهم صدور "الانتشائيين" ، قائلا: "حتى يصدر الإنتشائيون". كما يوثر عن داداه بن محمد مختار قوله مخاطبا الشيخ سيديه باب: من أجل ما حباك الله به من الكرامات أن صيرت الشيخ الخديم بيت مال للبياضين جميعا.

فإن كان الخديم قد أخذ ورده عن النبي صلى الله عليه وسلم كما يستشف من آثاره وكما يتردد في  رواية مريديه، فإن أشعاره ورسائله التي نشرت نزرا منها في هذا المقال منبئة بما لا يدع مجالا للشك عن تلمذته على الشيخ سيديه باب وتقديره له والتنويه بالعلاقة الروحية التي تربطه به، وهو بلا منازع أدرى بحاله حتى من أخص الناس به ومن أقرب المقربين منه.

 وقد استمر هذا الحال على الأقل إلى زمن وفاة الشيخ سيديه باب، حيث أرسل في تعزيته بما صورته:

"الحمد لله الذي خلق الموت والحياة وجعل كل نفس ذائقة الموت والصلاة والسلام والتحية والإكرام على فرط كل مسلم على الحوض سيدنا ومولانا محمد وعلى ءاله وصحبه أجمعين 

أما بعد فقد بلغنا تهدم هذا الركن القوي من أي أركان الإسلام وفاة مفخر الصالحين والعلماء الأعلام الشيخ سيدي بن محمد بن سيدي رضي الله تعلى عن الجميع وأرضاهم فاسترجعنا وترحمنا وتأسينا بمن تقدمنا وعزينا أنفسنا وإليكم كتبنا ووجهنا حامله مريدنا وابن خالنا تعزية تعم العامة وتخص الخاصة أحسن الله تعلى عزاءكم وعظم أجوركم وغفر لموتاكم ءامين ثم نرجو من الله تبارك وتعلى أن يديم إسبال هذا الستر وانجبار هذا الكسر بجمع الكلمة وتوقير الصغار للكبار ورحمة الكبار للصغار وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وكتبه مسلما داعيا الحقير البصو مستمليا من الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر الخديم البكي رضي الله تعلى عنه بالنبي المكي صلى الله عليه وسلم وشرف ومجد وكرم صبيحة يوم السبت عاشر رجب الفرد عام بمسش (1442 ) .

وجدير بالذكر أن الشيخ أحمد بنب لم يعمر بعد الشيخ سيديه باب إلا ثلاث سنين، وهو ما يعني أنه ظل إلى آخر حياته وفيا للعلاقة الوطيدة بينه معه.

أكتفي بهذا القدر من الشواهد الجلية الملموسة المفصحة بما لا يدع مجالا للشك عن  المكانة المتفردة التي لا يضاهيها تعلق أو تقدير لأي كان، مما يجعل القفز على علاقة الشيخ أحمد بنب ببيتنا وتجاوزها غمطا لحق الشيخ الخديم نفسه قبل أن يكون للشيخ سيديه باب، رحمة الله عليهما. فهذه العلاقة الوثقى المؤكدة بكل الشواهد والأدلة حلقة فريدة من سلسلة تاريخ الشيخ أحمد بنبه الذي لا يحسن بأي باحث جهله أو تجاهله.

فليس من البر بالشيخ الخديم ولا من الوفاء لذكراه السعي في طمس معالم هذه الحقبة من تاريخه.

وأخيرا، فقد تتلمذ للشيخ سيدى بابه ولأبويه من قبله جهابذة العلماء والصلحاء، وكبار الأدباء والشعراء، وأمراء العرب وأغلب أهل الشوكة، وكثير من أعيان الزوايا، وملوك أمم السودان، ومدحوه وآل بيته، وبجلوهم بما تضيق عنه الخزائن والطروس.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

باب ولد هارون ولد الشيخ سيديه باب

للاطلاع على الوثائق المرفق كاملة اضغط هنا