الأستاذ يعقوب السيف: مرسوم العفو الرئاسي أسقط المنع من الحقوق المدنية والوطنية عن البرلمانيتين

جمعة, 10/07/2026 - 14:34

مبدئيا لا تضم المنظومة القانونية الوطنية أي تنظيم لموضوع (العفو)، وقد ورد على سبيل الذكر فى (المادة 37) من الدستور التي عدته ضمن سلطات رئيس الجمهورية.
ورد كذلك في (المادة 6) من قانون الإجراءات الجنائية، كحالة من حالات" انقضاء الدعوى العمومية من أجل تطبيق العقوبة بالعفو العام"، وهذا الأخير يختلف عن (العفو الخاص) الذي يمارسه رئيس الجمهورية بمقتضى (المادة 37) من الدستور؛ فالعفو العام يكون بقانون ويرتب زوال الصفة الجرمية عن الفعل، بينما ينصب العفو الخاص حصرا على العقوبة: بالعفو عنها أو تخفيضها أو استبدالها.
الممارسة تكشف عن ممارسة متعددة لحق العفو الخاص:
 بشكل موضوعي بمناسبة:
 -التداول الانقلابي على السلطة (سجناء المنصرف مظنة تأييد المتغلب الجديد)؛
-الأعياد الدينية والوطنية.
وبشكل استثنائي:
-لمصلحة مدانين بشخوصهم؛
-لمصلحة مدانين بجرائم بعينها.
مرسوم العفو عن عضوي البرلمان في طريقه لأن يكون أكثر حالات العفو إثارة للجدل، وخصوصا في ما يتعلق بتغييبه لموقف صريح من بعض العقوبات التي أقر قرار الإدانة في حق العضوين. وعلى وجه التحديد أثره على حقهما في العودة للقاعة نصف الدائرية واستكمال انتدابهم النيابي.
دون تعمق، أصلا قرار محكمة الاستئناف بمنع ممارسة الحقوق الوطنية والمدنية لمدة خمس سنوات لم ينزع الصفة عن العضوين. ومرسوم العفو طال ذلك الشق من العقوبة:
أولا: قرار محكمة الاستئناف لا يرتب نزع صفة النائب:
ذلك ما يظهر مع الوقوف على أساس فقد الصفة النيابية:
1-المنع من الحقوق الوطنية المرتب للشغور: في تقدير جزء مهم من أعضاء الجماعة القانونية وغيرهم ، جاء إسقاط صفة عضوية الجمعية الوطنية عن عضويها على أساس ما حكم به  قرار الغرفة الجزائية-الجنحية بمحكمة الاستئناف بنواكشوط الغربية، في حقهما من: 
" المنع من ممارسة الحقوق الوطنية و المدنية لمدة خمس سنوات طبقا للمادة 36 من القانون الجنائي (البندين 1،2)..."  
تقدير له وجاهته، لولا أن الوقوف عند مفردات القرار يقدم ما لا يشهد له؛ ذلك أن التحديد غير الاعتباطي بالنسبة لعقوبة المنع في قرار محكمة الاستئناف لا يطال بحال من الأحوال استمرار انتداب عضوي الجمعية الوطنية لبقية المأمورية؛ ّإذ المنع يتعلق صراحة وحصرا بالبندين 2،1 من (المادة 36) من قانون العقوبات:
-البند الأول (التصويت): يكون من الناخب بإعطاء الصوت للغير؛ 
البند الثاني (الترشح): طلب تصويت الغير ويحتاج لأهلية معينة.
على أساس هذه الإدانة، الذي فقده العضوان هو: صفة الناخب وأهلية الترشح. أما صفة (العضوية) التي وظف لاكتسابها (الترشح) أولا، و(التصويت) منه لنفسه وطلبه من غيره ثانيا، فشيء غيرهما لم يقصده القرار أو يطله ـ بل هو لا يسعى لذلك، وإلا لكان صرح بإطلاق المنع، على نحو ما تتيحه الفقرة الأولى من (المادة 36) التي تنص على أنه:" للمحاكم التي تقضى في مادة الجنح أن تمنع في بعض الحالات من ممارسة(كل) أو بعض الحقوق الوطنية والمدنية..."
لا يؤثر في ما تقدم، تبويب الأمر القانوني رقم: 91-028، الصادر بتاريخ: 7 أكتوبر 1991، المتضمن القانون النظامي المتعلق بانتخاب النواب في الجمعية الوطنية، المعدل، (المادة 7/جديدة) على إسقاط صفة العضو في الجمعية الوطنية عن الذي منهم:
" يجد نفسه، أثناء مدة انتدابه، في واحدة من حالات عدم الأهلية المنصوص عليها في القانون." 
ولا نصه فى (المادة 6) على أن الحالة الأولى لعدم الأهلية الانتخابية المطلقة هي الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية، فالذي حُرِمه العضوان من تلك الحقوق حدد بدقة في القرار بالإدانة ولا يطال الصفة النيابية.
2- السجن المرتب لحالة العجز: فقدان صفة النائب بالنسبة للعضوين لم ينتظر قرار محكمة الاستئناف منعهما:" من ممارسة الحقوق الوطنية والمدنية لمدة خمس سنوات طبقا للمادة 36 من القانون الجنائي (البندين 1،2) ..."، بل تحقق مع صدور الحكم رقم :0213/2026، بتاريخ 04 مايو 2026، الذي قضت فيه الغرفة الجزائية بمحكمة نواكشوط الغربية، بالإدانة والعقاب بالحبس أربع (4) سنوات في حق عضوي الجمعية الوطنية. رغم خلوه من أي ذكر للمنع، فبحكم العقوبة السجنية يتحقق العجز المرتب لفقد العضوية.
ما طرأ مع القرار النهائي رقم:110/ 2026، بتاريخ 08 يوليو 2026، للغرفة الجزائية -الجنحة بمحكمة الاستئناف بنواكشوط الغربية، الذي عدل الحكم الابتدائي: بوقف نصف العقوبة المحكوم بها ابتدائيا، هو أنه بنصه على استمرار سجن عضوي الجمعية الوطنية للمدة النافذة من السجن (سنتان)، وما يترتب على ذلك واقعيا من حالة (عجز) عن أداء العضوين لمسئولياتهما النيابة، يكون هو مصدر ترتيب إسقاط الصفة عنهما، ومباشرة عملية استبدالهما وفق المسطرة المقررة. 
على هذا تكون استعادة العضوين لصفتهما النيابة نتيجة عرضية لمرسوم العفو؛ فبتقريره:" إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية"، يستعيد عضوا الجمعية الوطنية لحريتهما، وبتحقق تلك الاستعادة ينتفي العجز وتستعاد الصفة لبقية الانتداب البرلماني.
ثانيا: مرسوم العفو تضمن إلغاء المنع:
1-وإن من دون إفراد فقرة خاصة بالعفو في المرسوم عن عقوبة المنع، ربما على أساس وجود قناعة بعدم تعرض قرار محكمة الاستئناف أصلا لما يؤثر في تمتع العضوين بصفتهما التمثيلية، الأمر الأكثر إلحاحا في أفق خروجهما من محبسهما. ما جعل المرسوم في سبيل تحقيق لا يعتنى كثيرا بالصرامة المنهجية والدقة العلمية، كما يظهر جليا من خلال:
- حين حديثه عن:" إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية": احتساب مجمل الفترة التي سلب العضوان فيها الحرية على العقوبة الجزائية، رغم كون القرار النهائي بتلك العقوبة صدر للتو: يوم أمس بفارق في حدود 24 ساعة على مرسوم العفو.
-"...إضافة الغرامات " إلى مواضيع العفو متفهم باعتبارها عقوبة، لكن ذلك لا ينطبق على:
-"المصاريف القضائية المترتبة على المحكوميتين": التي ليست عقوبة، ومع ذلك شملها العفو! 
-غياب التعرض في المرسوم للسنتين الموقوفتين، رغم دخولهما تحت عنوان الإدانة، لكنهما عمليا لا تمنعان وقتيا الحرية. 
 2-  من واقع تنزيل النص على مقتضيات منطوق قرار الإدانة؛ فقد نصت (المادة 37) من قانون العقوبات الموريتاني على أنه:" لا تحكم المحاكم بالمنع المذكور في المادة السابقة إلا إذا كان قد أذن فيه أو أمر به بنص قانوني خاص."
قرار محكمة الاستئناف أسس لعقوبة المنع من ممارسة الحقوق الوطنية والمدنية لمدة خمس سنوات على مقتضيات:" المادة 36 من القانون الجنائي (البندين 1،2"، وراعى الشرط الوارد في حكم المحاكم بالمنع كما ورد في (المادة 37) بوجود:"... أو أمر به بنص قانوني خاص " وفرته:" المواد :12-13- 14 من قانون تجريم التمييز بعد إعادة التكييف ليشملها." حيث تضمنت المواد الثلاثة فقرة مشتركة: "ويمكن كذلك منعه من ممارسة كل أو بعض الحقوق الوطنية والمدنية والعائلية لمدة 5 سنوات على الأكثر طبقا للمادة 36 من القانون الجنائي."
لا عقوبة تبعية دون عقوبة أصلية، وعقوبة المنع قررتها مواد قانون تجريم التمييز عقوبة مضافة لما قبلها؛ أي للعقوبة المقررة في تلك المواد؛ وإذا من غير الوارد أن يطال العفو العقوبة المضاف إليها دون أن تتأثر تلك المضافة لها، ذلك أنه عمليا سيتم تحوير في طبيعة هذه العقوبة التي تغدو والحال كذلك عقوبة أصلية (كما هو مقرر في الإثراء غير المشروع)، وهو ما لا تسمح به طبيعتها داخل النص التجريمي في مواد قانون تجريم التمييز؛ حيث يلزم إحلال كلمة:" ويعاقب بالمنع من ممارسة..." بدل عبارة:" ويمكن كذلك منعه...".
3-إعطاء التوليفة التي جاء بها مرسوم العفو معنى آخر، مثل القول إنه انتهج عدم التعرض لبقية الإدانة بشكل متعمد لتصفية الخصوم ،يشكل تحاملا على مؤسسة بقيمة رئيس الجمهورية ، إذ يشوه ممارسة الرئيس لصلاحياتها الدستورية بتحويله مرسوم العفو  إلى فرمان سلطاني يقصى به الحاكم خصومه السياسيين بالضربة القاضية و بتواطئي  من السلطة القضائية حامية الحرية الفردية والمعرفة في الدستور بكونها :"مستقلة  عن السلطتين التشريعية والسلطة التنفيذية" مع ما يعنيه ذلك من إخلال رئيس الجمهورية بمسئوليته باعتباره: "الضامن لاستقلال القضاء" (المادة 89/جديدة ) من دستور 20 يوليو ، المعذب