نعم لإنهاء عسكرة السياسة تدريجيا .. لا لعسكرة القانون تشريعيا

أربعاء, 24/06/2026 - 19:54

أ.د. حاتم محمد المامي

أستاذ القانون العام

طلعت مؤخرا على مشروع القانون المعروض أمام البرلمان تحت رقم 029-26، يعدّل ويكمّل بعض أحكام القانون رقم 64-130 الصادر بتاريخ 14 يوليو 1964، المتعلق بالنظام الأساسي لضباط القوات المسلحة العاملة والاحتياطية.

ومن أهداف مشروع القانون الجديد تقييد حقوق وحريات كانت مقرّرة للضباط بموجب القانون رقم 2009-012 الصادر بتاريخ 29 يناير 2009، في المادة 22 (جديدة)، والتي نصت على ما يلي: " يعود الضباط برتبة جنرال الذين تم قبولهم في قسم الاحتياط إلى الحياة المدنية؛ وبذلك، يحق لهم التنقل بحرية وممارسة أي نشاط على قدم المساواة مع أي مواطن آخر". إن الوضعية القائمة في ظل هذا القانون واضحة ودقيقة: يتم إعادة جنرالات الاحتياط بشكل لا لبس فيه إلى الحياة المدنية، وبالتالي يمكنهم الانخراط في أي نشاط، بما في ذلك السياسة، بنفس الصفة التي ينخرط فيه بقية المواطنين.

غير أن مشروع القانون الجديد يقترح صياغةً جديدةً: "يعود الضباط برتبة جنرال الذين تم قبولهم في قسم الاحتياط إلى الحياة المدنية. إلا أنهم يظلون خاضعين لواجب التحفظ والتزام السرّ المهني المنصوص عليهما في هذا القانون". وبينما يُبقي هذا النص على مفهوم "العودة إلى الحياة المدنية"، فإن صياغته تلغي "حرية" مكتسبة لممارسة كل نشاط شرعي على قدم المساواة مع أي مواطن آخر، وتُخضع هذه الفئة من الضباط لواجبات والتزامات جديدة ستفرض لاحقا.

وفي هذا الصدد يثير مشروع القانون الجديد سؤالين أساسين:

السؤال الأول: هل يحق للمشرع تغيير وضع قائم منذ 17 عامًا من أجل منع جميع الضابط الذين تم أو سيتم قبولهم في قسم جنرالات الاحتياط من ممارسة أي نشاط سياسي؟

من الناحية النظرية، قد تكون الإجابة عموما بنعم ولكن، أي شريطة احترام متطلبات دستورية القوانين. ومن بين تلك المتطلبات استحالة تغيير القواعد دستوريا وعمليا من طرف المشرّع إذا نتج عن تطبيقها حقوق مكتسبة أو متوقعة من ممارسة أنشطة شرعية تحت سيادة تلك القواعد.

وهكذا نجد دائما أن تغيير أي مركز قانوني قد حصلت الاستفادة منه يكون مثار جدل سياسي ومحل نزاع دستوري، بالنظر لقداسة عدم المساس بالقانون ومراعاة للمبادئ المعترف بها في قوانين الجمهورية التي تُشكل مرجعية هامة في الكتلة الدستورية الواجب على السلطة التشريعية احترامها كي تتجنب إلغاء القانون من قبل المجلس الدستوري.

علاوة على ذلك، فإن سلب حرية ممارسة أي نشاط (بما في ذلك النشاط السياسي) للجنرالات الاحتياطيين، وهي حرية معترف بها فعليا بموجب القانون رقم 2009-012 ويمارسها حاليا عدد من الجنرالات، يُعد انتهاكًا صارخا للدستور من عدة جوانب:

أولًا، يُخالف مشروع القانون المعروض أمام البرلمان أحكام المادة 10 من الدستور، التي تضمن للمواطنين بلا استثناء حمايةً صارمةً لجميع حقوقهم وحرياتهم، لا سيما إذا كانت هذه الحرية مكفولةً بموجب قانون آخر، كحرية ممارسة النشاط السياسي للجنرالات في قسم الاحتياط التي ضمنها لهم القانون رقم 2009-012 كما أشرنا آنفا.

ثانيًا، يكرّس مشروع القانون الجديد عودة ضباط الاحتياط إلى الحياة المدنية ومعاملتهم كالمدنيين كأحد المبادئ المعترف بها في قوانين الجمهورية الإسلامية الواجب احترامها من طرف المشرع. وهكذا يكون اقتراح مشروع القانون إخضاع جنرالات الاحتياط لالتزامات وواجبات جديدة لا تتعلق باحتياجات الدفاع أو الأمن الوطني، يُعد تناقضا ذاتيا وانتهاكًا صريحا للمبادئ الدستورية المنصوص عليها في ديباجة الدستور، والتي أكّدها المجلس الدستوري الموريتاني كما في قراره رقم 2024/08/CC/2024.

ثالثا، ينتهك مشروع القانون 029-26 ضمنيا أحكام المادة 57 من الدستور بتجاهله لدوره في حماية "الحريات الفردية والقيود التي يفرضها الدفاع الوطني على المواطنين في أشخاصهم وممتلكاتهم". ويتجسد تخلي المشرع عن هذا الواجب الدستوري في مختلف التعديلات الواردة في المادة 46 مكررة، والتي تُضيف قيودًا جديدة على الضباط قد توصف ب "عسكرة القانون". لا ينبغي للبرلمان إذن تمرير هذه الأمور وفقا للمقتضيات الدستورية، وذلك في ثلاث حالات على الأقل: أولا، في حالة فرض التزامات جديدة دون مبرر مصلحة عامة وجيها؛ ثانيا: في حالة معادلة نشاط اجتماعي قد يتضمن بُعدًا سياسيًا بعمل اجرامي موصوف ككشف أسرار الأمن القومي؛ ثالثا: في حالة تجاهل حرية التعبير من خلال توسيع مفهوم الخطأ الجسيم ليشمل مجرد ابداء ضابط احتياط أو متقاعد في الجيش لرأيه.

السؤال الثاني: هل يُمكن تطبيق القانون المقترح بأثر رجعي لتقويض آثار القانون 2009-012 وحرمان ضباط الاحتياط من حقوقهم المكتسبة أو المُستَهلَكة أو المُتوقّعة في ممارسة الأنشطة السياسية بشكل قانوني؟

الجواب على هذا السؤال، من وجهة نظر دستورية، هو "لا "بكل تأكيد.

إذ يُعدّ إقرار القوانين بأثر رجعي من جانب السلطة التشريعية انتهاكاً جسيماً لدستور عام ١٩٩١، على الأقل فيما يتعلق بمبدأين دستوريين راسخين في الممارسة المؤسسية المعاصرة في موريتانيا، ويعدّان تقليديا من المبادئ الأساسية في القانون المقارن. وهما:

١. الأمن القانوني وعدم رجعية القوانين

حيث تضمن حرمة القواعد القانونية وعدم رجعية القوانين أمن النظام القانوني القائم في الدولة الحديثة التي تحكمها سيادة القانون. ولهذا السبب، نصّ المشرع الموريتاني صراحةً في القانون الوضعي وفي مناسبات عديدة على أن "القانون لا يسري بأثر رجعي؛ بل ينطبق فقط على المستقبل" (انظر المادة ٢ من القانون رقم ٢٠٢١-٠٣١، المعدل للأمر القانوني رقم ٨٩-١٢٦ الذي أنشأ قانون الالتزامات والعقود الموريتاني). في حين أن الفقه والقضاء متفقان بشكل متسق على أن "آثار قانون جديد، والذي ينطبق فقط على المستقبل، لا يمكن أن تعدل الآثار القانونية لوضع قانوني تم تحقيقه بشكل نهائي عند دخوله حيز التنفيذ" (cass.civ. 03/06/2021 رقم 20-12.353).

ولأن كان القانون المقارن يسمح أحيانًا بأثر رجعي للأحكام التشريعية، فقد قضت المجالس الدستورية مرارًا وتكرارًا بأنه "لا يجوز للهيئة التشريعية، دون وجود أسباب كافية للمصلحة العامة، أن تنتهك الحقوق المكتسبة قانونًا، ولا أن تضرّ بالآثار التي يمكن توقعها بشكل مشروع من هذه الحقوق" (انظر قرار المجلس الدستوري الفرنسي رقم 2013-682 DC بتاريخ 19/12/2013، الفقرة 14)، أو، بشكل أعم، من الحالات الناشئة بموجب تشريعات سابقة (انظر قرار المجلس الدستوري الفرنسي رقم 2019-812 QPC بتاريخ 15/11/2019، الفقرة 5).

وتنزيلا لما سبق على مسألة دستورية مشروع القانون رقم 029-26، فيمكن القول أنه إذا كان مبرّر "المصلحة العامة الكافية" مظنّة للبعض، فهناك سببين قطعيّين لا يقبلان الشك يكفيان وحدهما لإعلان عدم دستورية أحكام مشروع القانون المذكور لانتهاكه الحقوق المكتسبة و الآثار المتوقعة:

أولاً، إن ممارسة الأنشطة السياسية المعترف بها بموجب القانون 2009-012 قد أدت بالفعل إلى نشوء حقوق مكتسبة قانونًا لجنرالات الاحتياط (وهذا هو الحال بالنسبة لرئيس الجمهورية ولرئيس البرلمان الذي لا يزال جنرالا في الاحتياط). وهكذا، من الواضح أن حظر ممارسة العمل السياسي بأثر رجعي سيُعدّ انتهاكًا للحقوق المكتسبة قانونًا للمعنيين وبالتالي سيُشكك في شرعية انتخابهما أصلا.

ثانيا: إن المراكز المكتسبة سابقا لبعض الجنرالات (مثل رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان) قد ولّدت فعلياً آثاراً متوقعة ومشروعة بالنسبة لبقية جنرالات المجموعة نابعة من النشاط السياسي المشرّع بموجب القانون رقم 2009-12، والذي لا يزال ساري المفعول ولم يلغه صراحةً نص مشروع القانون الجديد.

2. المساواة أمام القانون والحق في المساواة

تنص المادة 2 من دستور موريتانيا 1991، المراجع، على ما يلي: "تضمن الجمهورية لجميع المواطنين، دون تمييز على أساس الأصل أو العرق أو الجنس أو الوضع الاجتماعي، المساواة أمام القانون". هذا المبدأ الدستوري يلزم السلطة التشريعية بمعاملة جميع المواطنين بنفس الطريقة؛ فلا يجوز منح أي محاباة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التمييز ضد الأشخاص الذين هم في نفس الوضع أو في نفس الظروف.

الحقيقة أنه لا يمكن القول بأن مشروع القانون رقم 029-26 ينص صراحةً على تطبيق حظر الأنشطة السياسية بأثر رجعي على الجنرالات الذين تم قبولهم بالفعل في الاحتياط قبل إصداره، رغم أن آثار القيود الجديدة تُطبق فوراً على جميع الضباط. حيث تنص المادة 46 مكررة رابعا على أن "أحكام المادة 46 مكررة من هذا القانون تسري فوراً على الضباط العموميين المقبولين في قسم الاحتياط، بغض النظر عن تاريخ قبولهم في ذلك القسم". من الواضح في النص أن هناك غموضا يتعلق برجعية الآثار الفورية، من خلال تعمد عدم الإشارة إلى التفرقة بين واقع الظروف السابقة والحالية واللاحقة، وهذا ما سيضع المسؤولين عن تنفيذ هذا القانون في موقف محيّر ومتناقض، ويضعهم أمام معضلة لا مفر منها تتعلق بعدم دستورية تطبيقه بأثر رجعي على وضعية ضباط الاحتياط السابقة على دخوله حيز التنفيذ.

- فإما أن يُفسَّر القانون الجديد تفسيراً واسعاً ليشمل بأثر رجعي حظر النشاط السياسي على جميع جنرالات الاحتياط. وفي هذه الحالة، ورغم احترامه للمساواة بتجنب التمييز بينهم، فإنه يُلحق ظلماً برئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، ويُصبح مخالفاً للدستور لمخالفته الحقوق المكتسبة؛

- أو إما أن يُفسَّر القانون الجديد تفسيراً ضيقاً ليستثني جنرالات الاحتياط الحائزين على مأموريات انتخابية من تطبيقه بأثر رجعي، ويقتصر أثره الرجعي على جنرالات الاحتياط الآخرين. وفي هذه الحالة، يُصبح مخالفاً للدستور لأنه يُنشئ تمييزاً محظوراً بموجب المادة 2 من دستور 1991.

ويُولي المجلس الدستوري الموريتاني اهتماماً بالغاً وحزماً شديداً في موضوع الحق في المساواة. حيث قرّر في قراره رقم 2024/08/CC/2024 بشأن مراجعة دستورية القانون رقم 2021-021 الصادر بتاريخ 02/12/2021، المتعلق بالرموز وتجريم الاعتداءات على كرامة الدولة وشرف المواطن، "أن التمييز بين الموظفين العموميين والمواطنين الآخرين فيما يتعلق بشرفهم يشكل انتهاكًا لمبدأ المساواة المنصوص عليه في ديباجة الدستور".

الخلاصة:

يتضح من مما سبق أنّ مشروع القانون 029-026 يحاول انهاء "عسكرة السياسة" في غير محلها فيقع بالخطأ في "عسكرة القانون" بإجراءات غير دستورية خصوصا فيما يتعلق بالأحكام التي تمنع ضباط الاحتياط من مواصلة أنشطتهم السياسية، لان القانون 2009-012 قد أكسبهم حقوقًا وضمن لهم نتائج متوقعة من هذه الأنشطة. علاوة على ذلك، يعتبر إلغاء آثار القانون 2009-012، بطريقة غير متقنة فنيا أي بشكل تدريجي ومنتظم، إجراءً غير مدروس ينطوي على مخاطر جسيمة، لأنه يُقوّض الأساس القانوني لكامل الإطار المؤسسي للنظام القائم منذ أكثر من 17 عامًا في موريتانيا.

وبالتالي، من اللازم مراجعة البرلمان لمشروع القانون 029-026 قبل إحالته لتوقيع رئيس الجمهورية من أجل إخراج كلٍّ جنرالات الاحتياط الذين يمارسون مأموريات سياسة وأولئك الذين بدأوا فعليا ممارسة أنشطة سياسية قبل دخول الأحكام الجديدة حيز التنفيذ. ومهما يكن من أمر، تجدر الإشارة إلى أن أي عقوبة، سواء كانت مالية أو تأديبية، تُفرض على المعنيين تنفيذا للقانون الجديد، ستُشكّل تعسّفا في استخدام السلطة، وسيتم إبطال آثارها تلقائيا بقرار فوري من القاضي الإداري بدعوى مباشرة، أو من المجلس الدستوري في إطار دعوى الاستثناء بعدم الدستورية.