
موريتانيا… تلك التي تُجيد الاصطفاف حين تمتحنها الأحزان، عادت مرة أخرى لتنسج من القلوب قافلة مواساة، متجهةً نحو السياسي المخضرم محمد فال ولد يوسف، في لحظة فقدٍ ثقيلة الوطأة، عميقة الأثر.
لقد كان رحيل شقيقته، آمنة بنت يوسف، المستشارة ببلدية روصو، فاجعةً لم تُحزن أهلها وحدهم، بل فتحت في وجدان الوطن نافذةً على معنى التضامن الأصيل، وكأن هذا الرحيل لم يكن مجرد غياب جسد، بل حضورٌ كثيف للقيم التي خلّفتها وراءها.
وفي مشهدٍ نادر الصفاء، التأم الطيف السياسي والحقوقي، واختلطت الوجوه على اختلاف مشاربها، لتقول كلمةً واحدة: إن للمروءة عنوانًا، وإن للوفاء رجالًا ونساء، ذلك الإجماع لم يكن مجاملة عابرة، بل شهادة صامتة على المكانة التي يحتلها ولد يوسف في نسيج المجتمع، مكانة لا تستمد بريقها من منصبٍ زائل، ولا من أضواءٍ عابرة، بل من إنسانٍ ظلّ كما هو، بسيطًا، قريبًا، ونقيّ الحضور.
فولد يوسف المصنف ضمن العاطلين عن العمل منذ سنوات لا يمكن للالتفاف حوله، والإجماع على مواساته، إلا أن يكون خاليا من "الشوائب".
في بيت عزائه، ذلك الفضاء الإنساني العاري من الزخرف في ما "وراء مدريد"، حيث تمضي الحياة على سجيتها، اجتمع السياسي مع الحقوقي، والعسكري بالمدني، والعالم مع الفنان، في لوحةٍ تُكذّب الأمثال القديمة، وتثبت أن القلوب حين تصفو، تُسقط كل الحواجز.
لقد كان إجماع الموريتانيين على مواساته، وما نُسج من كلماتٍ في حق الراحلة من طيب الخصال وجميل السيرة، مرآةً صادقة لأصلٍ كريم، ونبعٍ طاهرٍ انحدرت منه، فسلامٌ على روحها الهادئة، وسلامٌ على وطنٍ يعرف، رغم كل شيء، كيف يكون واحدًا حين يدعوه الألم.









